الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
30
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
للفاصلة والاهتمام بشأن يوسف - عليه السّلام - في ظاهر الأمر ، ويجوز أن يكون للقصر الادّعائي ؛ جعلوا أنفسهم لفرط عنايتهم به بمنزلة من لا يحفظ غيره ولا ينصح غيره . وفي هذا القول الذي تواطئوا عليه عند أبيهم عبرة من تواطئ أهل الغرض الواحد على التحيّل لنصب الأحابيل لتحصيل غرض دنيء ، وكيف ابتدءوا بالاستفهام عن عدم أمنه إيّاهم على أخيهم وإظهار أنّهم نصحاء له ، وحققوا ذلك بالجملة الاسمية وبحرف التوكيد ، ثمّ أظهروا أنّهم ما حرصوا إلّا على فائدة أخيهم وأنّهم حافظون له وأكّدوا ذلك أيضا . [ 13 ، 14 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 13 إلى 14 ] قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ( 13 ) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ( 14 ) فصل جملة قالَ جار على طريقة المحاورة . أظهر لهم سبب امتناعه من خروج يوسف - عليه السّلام - معهم إلى الرّيف بأنّه يحزنه لبعده عنه أيّاما ، وبأنّه يخشى عليه الذئاب ، إذ كان يوسف - عليه السّلام - حينئذ غلاما ، وكان قد ربّي في دعة فلم يكن مرنا بمقاومة الوحوش ، والذئاب تجترئ على الذي تحسّ منه ضعفا في دفاعها . قال الرّبيع بن ضبع الفزاري يشكو ضعف الشيخوخة : والذّئب أخشاه إن مررت به * وحدي وأخشى الرياح والمطرا وقال الفرزدق يذكر ذئبا : فقلت له لمّا تكشّر ضاحكا * وقائم سيفي من يدي بمكان تعش فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فذئاب بادية الشّام كانت أشدّ خبثا من بقية الذئاب ، ولعلّها كانت كذئاب بلاد الرّوس . والعرب يقولون : إنّ الذئب إذا حورب ودافع عن نفسه حتّى عضّ الإنسان وأسال دمه أنّه يضرى حين يرى الدم فيستأسد على الإنسان ، قال : فكنت كذئب السّوء حين رأى دما * بصاحبه يوما أحال على الدم وقد يتجمّع سرب من الذئاب فتكون أشدّ خطرا على الواحد من الناس والصغير . والتعريف في الذِّئْبُ تعريف الحقيقة والطبيعة ، ويسمّى تعريف الجنس . وهو هنا مراد به غير معيّن من نوع الذئب أو جماعة منه ، وليس الحكم على الجنس بقرينة أن الأكل من أحوال الذّوات لا من أحوال الجنس ، لكن المراد أية ذات من هذا الجنس دون